السيد كمال الحيدري

143

تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)

التقليدي الذي هو مقام الخواصّ والمتوسّطين من أهل السلوك على طريقة المحبّة بقدم التقوى ، التي هي رؤية صفة واحدة والعمل بموجبها التي هي الاتّقاء عن رؤية صفات الغير مطلقاً ، وشهود صفات الحقّ وحدها والوصول إلى التوحيد الصفاتي المُشار إليه في قول النبيّ صلّى الله عليه وآله : أعوذُ برضاك من سخطك ، لأنّ هذه أيضاً إشارة إلى التوحيد الصفاتي . وقوله تعالى : ثُمَّ اتَّقَوْا وَأحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ إشارة إلى التقوى الحقيقيّة والإيمان الكشفي الشهودي ، الذي هو مقام خاصّ الخاصّ وأهل النهاية من أهل الله الواصلين إلى جناب عزّته ؛ لقوله تعالى : أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا « 1 » لأنّها إشارة إلى اتّقاء العارف عن شهود وجود الغير مطلقاً المسمّى بالتوحيد الذاتي ، لقول النبيّ صلّى الله عليه وآله : أعوذُ بك منك . لأنّ هذا بلا خلاف إشارة إلى التوحيد الذاتي ، وذلك لو لم يكن كذلك لم يقيّده بالإحسان ، لأنّ الإحسان عبارة عن مشاهدة الحقّ في مظاهر الأسماء والصفات المسمّاة باللقاء والرؤية وغير ذلك ، لقول النبيّ صلّى الله عليه وآله حين سُئل عن الإحسان : أن تعبد الله كأنّك تراه وإن لم تكن تراه فإنّه يراك « 2 » .

--> ( 1 ) الأنفال : 4 . ( 2 ) الأصول من الكافي : ج 2 ص 67 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب الخوف والرجاء ، الحديث : 2 ، نصّ الحديث عن إسحاق بن عمّار قال : قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام : « يا إسحاق خف الله كأنّك تراه وإن كنت لا تراه فإنّه يراك ، فإن كنت ترى أنّه لا يراك فقد كفرت ، وإن كنت تعلم أنّه يراك ثمّ برزت له بالمعصية ، فقد جعلته من أهون الناظرين عليك » . قال المجلسي معلِّقاً على هذا الحديث : « اعلم أنّ الرؤية تُطلق على الرؤية بالبصر وعلى الرؤية القلبية ، وهي كناية عن غاية الانكشاف والظهور ( وقد تقدّم المراد من الرؤية القلبية ) والمعنى الأوّل هنا أنسب أي : خِف الله خوف من يشاهده بعينه وإن كان محالًا ، ويحتمل الثاني أيضاً ، فإنّ المخاطب لمّا لم يكن من أهل الرؤية القلبية ولم يرتق إلى تلك الدرجة العليّة ، فإنّها مخصوصة بالأنبياء والأوصياء عليهم السلام قال : « كأنّك تراه » . وهذه مرتبة عين اليقين وأعلى مراتب السالكين . وقوله : « فإن لم تكن تراه » أي إن لم تحصل لك هذه المرتبة من الانكشاف والعيان ، فكُن بحيث تتذكّر دائماً أنّه يراك ، وهذا مقام المراقبة كما قال تعالى : أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْس بِما كَسَبَتْ الرعد : 33 إنّ الله كان عليكم رقيبا النساء : 1 . والمراقبة مراعاة القلب للرقيب واشتغاله به ، والمثمر لها هو تذكّر أنّ الله تعالى مطّلعٌ على كلّ نفس بما كسبت ، وأنّه سبحانه عالمٌ بسرائر القلوب وفطراتها ، فإذا استقرّ هذا العلم في القلب جذبهُ إلى مراقبة الله سبحانه دائماً وترك معاصيه خوفاً وحياءً ، والمواظبة على طاعته وخدمته دائماً » . مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول . تأليف : العلّامة شيخ الإسلام المولى محمد باقر المجلسي ، دار الكتب الإسلامية ، الطبعة الثانية ، 1404 ه - : ج 8 ص 32 .